بقلم: محمد النادي
الأمة مجموعة من المجتمعات، والمجتمع مجموعة من الأسر، والأسرة مجموعة من الأفراد؛ إذن الفرد هو العمود الفقري للأمة، فإن سَلِمَ هذا الفرد من الآفات وكان قويًّا فتيًّا إيجابيًّا كانت أمته كذلك بلا شك، وإن كان على العكس فمجتمعه سيكون بالمثل.
والمجتمع الذي لا يعرف أفراده الإيجابية ولا يعملون لها ومن أجلها مجتمع متفكك متأخر متشرذم.
ونحن في سبيل الإصلاح، إصلاح الأفراد والمجتمعات، نحتاج لأن نؤصِّل قيمة الإيجابية بيننا، وأن نفعِّلها؛ حتى يتم التغيير ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).
فالإيجابية حياة، حياةٌ بمعنى الكلمة للأفراد والمجتمعات؛ لأن السلبيين أموات وإن كانوا يدبون على ظهر الأرض بأرجلهم، وباطنها أولى لهم من ظاهرها إذا استمرءوا هذه الحياة الدون.
مفهوم الإيجابية
الإيجابية لغةً: هي مصدر صناعي من "وجب الشيء يجب وجوبًا: لزم وثبت، وأوجب الشيء: جعله لازمًا" (1).
و"قال اللحياني: وجب البيع جِبَةً ووجوبًا، وقد أوجب لك البيع وأوجبه هو إيجابًا. ا.ﻫ
يقال: وجب البيع يجب وجوبًا، وأوجبه إيجابًا، أي: لزم" (2).
الإيجابية اصطلاحًا: وهي- فيما نرى- حالةٌ في النفس تجعل صاحبها مهمومًا بأمر ما شرعي، ويرى أنه مسئول عنه تجاه الآخرين مسئوليةً أدبيةً نابعةً من ذاته، ولا يألو جهدًا في العمل له والسعي من أجله.
قيمة الإيجابية وأهميتها
الإيجابية هي الروح التي تدبُّ في الأفراد فتجعل لهم قيمةً في الحياة، وتدب في المجتمع فتجعله مجتمعًا نابضًا بالحياة، وهي الدليل الهادي والخريت(3) الذي لا يضل الطريق، والأمل الذي لا يتبدد، والمطية التي لا تكبو، وهي صمام أمان للجميع، وهي جماع عدة أمور من أمرٍ بالمعروف ونهيٍ عن المنكر، وبرٍّ ووفاءٍ وصدقِ عهد مع الله… إلخ.
وتكمن أهمية الإيجابية- فيما نرى- في أنها (4):
1- تمنع من الانحراف في الدين:
لو أن هذا الدين الذي ختم الله به الرسالات، وأكمل به الشرائع، تُرك لكل واحد أن يدلوَ فيه بدلوه بالزيادة أو النقصان.. ماذا سيكون حال هذا الدين؟!.
لا بد أن النتيجة الحتمية هي التحريف في هذا الدين، وضياع صورته الحقيقية، وتشويه شكله وطمس معالمه الأصيلة وتزييف أهدافه النبيلة.
ولكن لو أن كل مسلم علم أنه على ثغر من ثغور الإسلام، وأنه مطالب بالحفاظ على هذا الدين من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين، لظل هذا الدين في حصنٍ منيعٍ يستعصي على مَن يتربَّصون به الدوائر.
ومشكلة أي دين تكمن في الابتداع فيه؛ لذلك حذَّر النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- منه، بل هدَّد وأوعد من يقدم على هذا الفعل فقال: "مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي فَعَمِلَ بِهَا النَّاسُ كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لاَ يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ ابْتَدَعَ بِدْعَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ أَوْزَارُ مَنْ عَمِلَ بِهَا لاَ يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِ مَنْ عَمِلَ بِهَا شَيْئًا" (5).
والبدعة لا تقوم ولا تظهر إلا عند غفلة أهل الحق وقعودهم عن القيام بالمسئولية المنوطة بهم، المعلَّقة في أعناقهم، فإذا وَجَدَتْ عند ابتدائها من يردها فإنها ترجع مدحورةً إلى جحرها، ولا تزال تطل برأسها بين الحين والآخر، وتنظر من طرف خفي حتى تجد الغفلة والسهو من أهل الحق فتعود من جديد.
2- تعمل على تصحيح المفاهيم:
المجتمع الإنساني تتفاوت فيه مستويات الفهم؛ فهناك مَن يسير على الجادة وهناك من ينحرف به الطريق، والمجتمع الإسلامي ليس بدعًا في هذا الأمر، ولكن ما العاصم إذا ما حدث انحراف في الفهم؟.
هنا لم يتركنا الإسلام للأهواء تتقاذفنا حيث تشاء، ولكنه وضح لنا المنهج؛ حيث قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ.. إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللهِ، وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي" (6).
فنرى هنا أن الفهم الصحيح يعتمد على شقين: شق نظري، وشق تطبيقي. أما النظري فهو كتاب الله، وأما العملي فهم القائمون على تطبيق ما جاء في كتاب الله، وعلى رأس هؤلاء عترة النبي صلى الله عليه وسلم.
ولو أن الأمر ترك هكذا؛ كلٌّ يفعل ما يراه صوابًا دون مرجعية من العلماء العاملين الذين يقفون بالمرصاد لكل من أخطأ الطريق، لوجدنا أن الإسلام يتشعب بعدد الآراء والأهواء.
3- تمنع من عذاب الله عز وجل:
المسلم الفطن هو الذي يعرف كيف يقي نفسه من السوء، بل ويقي غيره منه، وأعظم السوء أن يحلَّ بقوم غضب الله وعقابه وانتقامه لذنوبٍ اقترفوها ولم يرجعوا عنها.
ولا يحل العذاب بقوم إلا إذا فشا فيهم المنكر، غير عابئين بنصح ناصح أو إرشاد مرشد، والطامة الكبرى أن يقع الجميع في المنكر ولا يوجد مَن يردهم عنه.
ولا شكَّ أن الذي يتحرك لتغيير المنكر هو الذي ينجيه الله- عز وجل- من سوء العذاب، ويتضح هذا من تلك القصة التي أمر الله- عز وجل- رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يذكِّر اليهود بها، فقال: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165)﴾ (الأعراف).
4- تمنع من جور الحكام والسلاطين:
الحاكم ما هو إلا فرد من أفراد المجتمع، وقد خوَّله هذا المجتمع أن يباشر حكمهم، فإذا قام بينهم بالعدل فهذا غاية المُنى، وإن لم يعدل وجب على مجتمعه أن يبيِّن له مغبة ظلمه.
وما تجبَّر المتجبِّرون إلا عندما عجزت شعوبهم أن تردَّهم عن غيِّهم، والإيجابية تمنع من جَوْر الحاكم، وتساعد على ردِّ المظالم إلى أهلها؛ فالحاكم إذا سوَّلت له نفسه أن يجور على الرعية، ولا يقسم بالسوية، ووجد مَن يصده من العلماء المخلصين العاملين الذين يبلغون رسالات ربهم ولا يخشون لومة لائم؛ فهو- لا محالةَ- منتهٍ عمَّا يُفكِّر فيه؛ لأن العلماء العاملين سيقفون في طريقه حجر عثرة لا يستطيع أن يتخطاها.
أما إذا لم يرتدع ولم ينتهِ عن غيِّه وتم




















