(المجتمع المفكر)
ونظرية المعرفة الإسلامية
تمهيد:
تعتبر حرية التفكير أحد أقانيم الحرية الأساسية. بالطبع لا يمكن أن يكون التفكير حبيس ذهن صاحبه أو وجدانه، أي حديث عن حرية التفكير كمعطى أساسي من معطيات الحرية العامة لا بد أن يترافق مع الحديث عن حرية التعبير. والحديث عن هذا وذاك لا بد أن يتردد بين تصورين اثنين: انطلاقة بلا ضابط ربما تقود إلى الفوضى، أو ضوابط أولية تضيّق أو توسّع مما يعني مصادرة مساحة ما من الحرية، لمصلحة عقيدة المجتمع وثوابته. تشكل هذه الثنائية إحدى القضايا الأساسية التي تسعى هذه الدراسة إلى مقاربتها.
الأهم في هذه الدراسة هو متابعة المنهج القرآني في محاولة جادة لتعميم حالة التفكير إنسانياً ومجتمعياً، بمعنى التصدي لظاهرة أن يكون التفكير حكراً نخبوياً، يقتصر على فئة محدودة من الناس. إذ من ملامح تكريم القرآن الكريم للإنسان أن فرض عليه واجباً عينياً بأن يأخذ حظه من التفكير والتأمل والتدبر؛ ليصير المجتمع الإنساني إلى ما يمكن أن نطلق عليه بحق اسم (المجتمع المفكر).
التفكير، حسب المنهج القرآني، فرض عيني. ويحاسب الإسلام كل إنسان على أساس مخرجات تفكيره الخاص وحقيقة التزامه بها. (الذين آمنوا وعملوا الصالحات).
يعتبر القرآن الكريم مدخلات عملية التفكير ، والظروف المحيطة بها جزءاً أساساً من عملية التقويم الشاملة للموقف الإنساني. حين سنمضي مع دلالة قوله تعالى (لأنذركم به ومن بلغ) وقوله (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) سندرك أن أن بين هذه الآية وتلك مدى واسعاً في رؤية الفقهاء للتقويم الإسلامي للموقف الإنساني. في ضوء تفسير المعتزلة لقوله (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) يؤكدون هنا بأن الرسول هو العقل ، وأن كل إنسان مكلف بمقتضى القانون الطبيعي الفطري أن ينقاد لما تقتضيه بدائه العقول من التزام بالعدل والقسط ومجانبة للظلم والعدوان.
المجتمع المفكر أساس لمشروع النهوض:
في حركتنا الدائبة، لبناء مجتمع قادر على تحمل عبء مشروع نهضوي، ينبغي أن نأخذ بالحسبان بناء الفرد المفكر الذي يعتبر هدف المشروع وأداته، ليصبح التفكير حالة اجتماعية عامة. نحب أن نميز منذ البداية بين المجتمع المفكر والمجتمع المتعلم، أو بين التفكير والتلقين، بين المعارف المكتسبة وبين القدرة الأولية على إدراك الحقائق واكتناه الأسرار.
كان الفيلسوف الفرنسي ديكارت قد اعتبر التفكير شاهد الوجود الأول ، بمقولته الشهيرة: أنا أفكر فأنا موجود. إن حظوظ الأفراد من ملكة التفكير الأساسية متفاوتة إلى حد كبير. فكثير من الناس يعيشون حياتهم بنجاح، منقادين لمقتضى الخلق الغرائزي والفطري ، دون أن يشعروا بحاجة إلى ارهاق عقولهم في تتبع ما لا يخطر لهم أصلاً على بال. يمضون في حياتهم لا يبحثون عن حقيقة ، ولا يرتادون أفقاً ، ولا يقلقهم شيء من أمر المبدأ أو المصير، ولا يتساءلون قط: من أين وكيف ومتى ولماذا؟! لقد حرص القرآن الكريم في آيات كثيرات على أن يتجاوز في بنائه المجتمعي أمثال هؤلاء. حتى يسأل الرسول صلى الله عليه وسلم الفتاة البكماء: أين الله ؟
عندما نميز بين المجتمع (المتعلم) و(المجتمع المفكر) في الإطار الذي أوضحناه ، هل نستطيع أن نطلق الدعوة إلى التأسيس لمجتمع حر مفكر، وأن نتحمل مسؤولية مثل هذه الدعوة على أهميتها وخطورتها؟! بالتالي هل نستطيع توسيع وتعميق رقعة التفكير الاجتماعي ، ودمج أكبر شريحة من أفراد المجتمع في تحمل عبء النهوض ببعديه الرسالي والتنموي؟! في الكثير من المجتمعات الإنسانية المتقدمة أو المتطورة سنلحظ ، لو أمعنا النظر ، خللاً في معادلة مثل هذه. ودون أن ننبهر بأضواء النجاح المادي، ستلقي امبريالية النخبة الثقافية بظلالها في تلك العوالم على آليات التربية والتعليم والتوجيه والتثقيف ، بحيث تكون الكثرة الكاثرة من أبناء تلك المجتمعات أدوات في مشروع انتاجي، أكثر منهم شركاء فيه.
في مجتمعات يتقدم فيها الهم الرسالي، كما نريد، تنشأ ضرورة أكثر إلحالحاً لجعل التفكير حالة اجتماعية أوسع شيوعاً ، وأبعد عمقاً. وبين توسيع رقعة التفكير وتعميقه ضروريات ومقتضيات وحاجيات ، لا يجوز أن تغيب عن نظريات (التكوين العام)، التي تشرف عليها الأسرة والمدرسة والمسجد وأجهزة الإعلام، وكذا جميع وسائل التثقيف. قبل مناهج التعليم ينبغي أن تكون هناك مناهج معتمدة لحفز ملكة التفكير الأولي عند الفرد ، واستفزازه للسعي لطرح الأسئلة، وتحليل الظواهر ، واكتناه الأسباب ، بمنطق أولي رشيد..
قبل التلقين ، وفي إطار بناء الفرد القادر على حمل مشروع النهوض ؛ ينبغي أن تكون هناك رعاية أولية لتنمية ملكة الإحساس بالجمال ، وإدراك التناسق ، والوقوف على أسرار الإعجاز في الكون والحياة.
كان القرآن الكريم الأول الذي سعى إلى بناء إنسان يمتلك إحساساً حياً بالوجود، فدعا الأميين إلى التفكر والتدبر، معتبراً التعليم بمعنى اكتساب المعارف أو الخبرات ، مع كونه عملية أساسية في بناء الفرد، تالياً في اعتبار نظرية المعرفة الإسلامية. العقل المحفز للتفكير، والباحث عن الحقيقة، والقلق للمعرفة؛ هو عقل في أفضل حالاته لقبول المعارف واستيعابها والاستفادة منها. في حديثنا عن مجتمع نهضوي حر وقوي سنفصل بعض الشيء في نظرية الإسلام المعرفية اقتباساً من معين القرآن الكريم.
نظرية القرآن في المعرفة: الفكر أولاً
أقام القرآن الكريم نظريته في المعرفة الإيمانية على ثلاث ركائز أساسية: الركيزة الأولى التفكير في الكون والحياة والإنسان أوحسب تعبير القرآن الكريم في (الأنفس والآفاق) . و الركيزة الثانية هي تدبر آيات الكتاب المعجز بكل وجوه الإعجاز ما ظهر منها وما بطن، وما تقدم منها وما تأخر أو حسب تعبير القرآن الكريم أيضاً (من بين يديه ومن خلفه). والركيزة الثالثة هي شخصية الرسول المبلغ إخلاصه وتجرده وصدقيته وأمانته.
احتلت الركيزة الأولى المساحة الأوسع والأعمق في النص القرآني، فحيثما تنقلت في آيات القرآن الكريم تسمع دعوة إلى النظر والتفكير والتدبر والتأمل، وإلى استخدام العقل والتجرد من كل المعوقات التي تعطل (السمع) و(البصر) و(الفؤاد)، وهي قنوات المعرفة الأساسية بالنسبة للإنسان.
اعتبر القرآن الكريم كما تؤكد نصوصه القطعية التفكيرَ المدخل الأساس (للحقيقة) أو (لللإيمان). بينما اح


















